صلاح البال في القرآن الكريم 1-3

ناقش القرآن الكريم موضوعا بالغ الأهمية ذو أبعاد متشعبة يفسر مسوغات صروف الحياة وآثارها على السلوك الفردي والعلاقات الاجتماعية، لماذا يعيش البعض في ضيق وكدر وخوف وقلق بينما الآخر يشعر براحة وطمأنية وسكينة؟ ما سبب شخصا له قبول عند الناس وآخر ينفر عنه أقرب الناس؟ كيف نحصل على رفق الحياة وسهولتها ورغدها وأهم من ذلك عفو الزمان؟ هذه الاستفسارات وغيرها هي نتاج الخيارات والتفضيلات الفردية التي يقوم بممارستها الأفراد بحرية دون إكراه.

كلنا نسمع تذمر غالبية الناس بفقدان التوفيق في شئون الحياة وتعثر الأمور وعدم انسيابية المعاملات اليومية وصعوبة بالغة في تحقيق الأهداف والغايات مبررين ذلك بالأسباب المادية وقلة الحظ أو غيرها من الأسباب التي تخفف وطأة ما يعانونه من صعوبة في تيسير شئون حياتهم.

لكل انسان بيئتان يتفاعل معهما، البيئة الخارجية المادية التي تحيط بالانسان في كافة أشكالها وأحوالها، والبيئة الداخلية الروحانية، فالأولى ظاهرية يستطيع الانسان أن يحدد منهجها وطريقة التعامل معها كونها ملموسة قابلة للقياس، بينما الداخلية فهي خفية لا يمكن قياسها بالطرق المادية بل وضع لها الرحمن مقياس آخر وحدد نظامها الدقيق الذي يربط مدخلاتها بمخرجاتها، وأبرز مدخلاتها العين والسمع والقلب وهي تمثل حلقات الاتصال الفرد بالعالم المادي التي تنتقل للعقل فيقوم بمعالجتها وفق ما تميل له النفس في لحظتها فتكون له عادة في المستقبل، فمثلا من قرر أن يتبع عورات الآخرين فقد قرر أن يتجاوز حدود الله في ذلك بمحض إرادته فاطلق نعمة البصر في النظر لما حرمه الله فيكون بعد فترة قد تعود على ذلك وأصبح جزءا من نشاطه اليومي. كما تتحكم البيئة الداخلية بالاستقرار والسكون وصلاح البال والسعادة الحقيقية، فإن صلحت هذه البيئة زاد إيمانه قوة وصلابة، لذا عنى القرآن الكريم بالجوانب التي تحصن النفس من كافة أنواع الضرر والتلف. ومن أبرز صور العناية التركيز على قاعدة الاستبدال أو الإحلال وإبرزاها لما لها من آثار عظيمة في تحديد مستقبل وصروف الفرد في شئون الدينا والآخرة.

ترتبط قاعدة الاحلال بقرارات وتصرفات وممارسات الأفراد التي يتخذونها في حياتهم اليومية وهي تعبر عن تفضيلاتهم المادية والروحانية، والقرآن يكتض بالقصص والمشاهدات التي تبين أسباب التفضيلات وآثارها الإيجابية والسلبية على حياة الفرد في الدارين، حيث بين القرآن العظيم بنتائج وعاقبة من يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير سواء على صعيد حياته الدنيا أو في الآخرة، وقبل استعراض بعض المواقف وآثارها لابد أن ننوه بأن هذه القاعدة تشمل كافة حالات الاستبدال في الشئون الحياتية اليومية المتصلة بحدود الله وأحكامه، بمعنى لا تشمل الحالات الناشئة بين الأفراد المحضة والقرارات والتفضيلات المباحة في المعاملات.

الإحلال المادي
لنا في بنى اسرائيل القصص والعبر والموعظة كونها أكثر الأمم التي قابلت نعم الله بالتعنت والكفر. لقد خص الله بنى اسرائيل بنعم عظيمة لم تنعم بها أي أمة قبلهم ولا بعدهم، حيث كانت تظلهم الغيوم البيضاء الرقيقة وينزل عليهم من السماء غذائهم المن وهو شيء يشبه العسل يوميا على شجرهم من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، كما خصهم بالسلوى وهو طائر السُمان الذي يعد ألذ أنواع اللحوم وأخفها، كما فجر الله لهم اثنى عشر عينا ينعمون بها ويسقون بها زروعهم فكانت حياتهم في رغد والرغد هو الحياة اللينة والعيش السهل الوفير الذي لا تعب فيه، ورغم ذلك إلا أن تعنتهم أوصلهم إلى سؤال سيدنا موسى عليه السلام بأن يطلب من الله أن ينوع لهم الطعام كونهم لا يحتملون أن يأكلوا كل يوم نفس الطعام الذي ينزله الله لهم من السماء، فجاء الخطاب الإلهي بإنكار ما يطلبونه من استبدال طعام سماوي ذو قيمة غذائية عالية وهدية سماوية بلا جهد أو تعب بطعام أدنى بكثير من حيث القيمة والفائدة والجهد والمصدر، فقال الله عز وجل “أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم”، فكانت عاقبة قراراتهم وتفضيلاتهم في قول الله تعالى “وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله”.
ففي هذه القصة عبر كثيرة ومعاني سامية نستخلص منها ما يرتبط بموضوع المقال بالرضا والقبول بما يقسمه الله لنا من خير ونعم وأحوال ولا نسأل الله أن يبدل لنا أمرا لترك ما هو أعلى منه شأنا وقيمة ومنزلة، حيث قال الله تعالى في سورة البقرة آية 218: “ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب”، كذلك قوله في سورة القصص آية 58: “وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين”.

فقصة بنى اسرائيل وصاحب الجنتين في سورة الكهف ومساكن سبأ بالإضافة لما ذكر من آيات ماهي إلا منصات قياسية نتلمس من خلالها مخاطر الاستبدال في صروف حياتنا اليومية والمعاشية، فعندما نتذمر أو نتكهم أو نشتكي من نعم الله علينا من أمن وآمان وطيبة عيش واستقرار ومال وبنون وغيرها من النعم التي نبطر بها فقد يستبدلها الله بما هو أدنى منها ثم يعقبها حياة ذل ومهانة وندامة ولاشك بعظمة آثار هذه العواقب على السلوك الإنساني وصحته النفسية ومن ثم في تيسير حياته اليومية، ولنا في الأمم الغابرة والمعاصرة عبر وأمثال وتصديق لما ذكر الله لنا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: