حق الدولة في تحقيق الأرباح

استخلصت خلال المشاريع التي قمت بتنفيذها على بعض المؤسسات العامة الاقتصادية إلى وجود “عرف راسخ” لدى متخذي القرار بأن ليس من حق المؤسسات العامة التي تمارس أو تشرف على قطاع اقتصادي أن تحقق الربحية عدا فرض الرسوم أو الضرائب نظير الخدمات التي تقدمها. بل ماهو أشد من ذلك هو استغرابهم من طرح هذا الموضوع كأحد البدائل المتاحة لتنويع مصادر الدخل للدولة.

لست مطلع على النقاشات الأدبية في هذا الشأن في الفتوى والتشريع أو القوانين التي صدرت من قبل مجلسي الوزراء والأمة قبل 40 أو أكثر أو أقل حول تنظيم القواعد المالية في المؤسسات العامة للدولة، ولا أعلم إن كان هناك نصوص قانونية تتحدث بصراحة حول منع تلك المؤسسات من تحقيق الربحية، فإن كان هناك ثمة تشريعات في هذا الشأن يجب التعامل معها إما بإلغاءها واستبدالها بقوانين مرنة تتفهم التطورات الجارية في العالم، أو على أقل تقدير تعديلها على نحو يحقق هامش من الربحية للدولة.


يجب أن تعيد الدولة نظرتها إلى الدور الحقيقي للقطاعات الاقتصادية كالصناعة والزراعة والموانئ والنقل والسياحة والفنون وغيرها من خلال تحويلها لمنصات ربحية تمارس كافة الأنشطة التي يحقق مبدأ الربحية، ولا أقصد من توجهي هذا بأن تدار تلك المنشآت والمرافق الاقتصادية بشكل تجاري بحت كما الشركات ومن ثم تشكل منافسة غير عادلة مع الشركات، بل أقصد أن يتم النظر لتلك القطاعات بأنها موارد اقتصادية تحقق هامش من الربح الذي يغطي تكاليف الجهة المشرفة على المورد.

فما الذي يمنع من الناحية العملية أن تدخل الهيئة العامة للصناعة في المشاريع الصناعية الاستثمارية المباشرة من خلال تصميم وبناء المناطق الصناعية وطرحها للبيع أو التأجير على شكل وحدات وبما وفق استراتيجية واضحة تحقق الأمن الصناعي للدولة ويزيد من قدرتها التنافسية ويشجع المستثمر الأجنبي للدخول فيها، أو حتى الدخول في حصص المشاريع الصناعية الكبرى سواء عبر زيادة رأس مال الشركات أو شراء أسهمها، أو أن تكون جهة استشارية للمنشآت الصناعية الكبرى سواء المحلية أو الأقليمية.

ما هو مبرر الهيئة العامة للزراعة والتي تشرف على السلة الغذائية للدولة بعدم استملاكها لمشاريع تحقق وتعزز أمنها الغذائي وتطرحه بكافة الأشكال الاقتصادية سواء البيع أو الشراكة أو التأجير، كذلك الموانئ والسياحة والنقل وغيرها، لماذا مازالت النظرة والإدارة التقليدية البائدة مسيطرة على البلد، إلى متى ونحن نعاني ونتجرع فشل ما يسمى بقياديي الدولة الذي يترأسون المؤسسات والهيئات والتي تحولت بفضل فكرهم الجامد إلى أشبه بحاضنات للموظفين دون أي إنتاجية تذكر.

في إحدى مقابلاتي مع “قيادي” يعد المسئول الأول عن برنامج تنمية الدولة خلال اجتماع موسع مع آخرين حول موضوع فلسفة إدارة المؤسسات الاقتصادية، انتهى النقاش بأنه لا يحق للدولة بل لا يجب أن تنظر الدولة لمؤسساتها بأنها منصات ربحية أو على الأقل مشروع ربحي وقد لقى هذا التوجه قبول الآخرين!!!… فأيقنت بأننا لن ولن ولن تقوم لنا تنمية في ظل هذا الفكر البائد..

فكيف ممكن أن تنوع الدولة مصادرها الربحية – عدا فرض الرسوم وزيادتها – في ظل هيمنة هذا الفكر الجامد الغير مطلع على التجارب الدولية أو لا يملك القدرة على تحويل هذه التجارب إلى برنامج عمل!!! والذي لا يتقبل أي تطور حتى لا تنكشف عورته، ما نحتاجه قبل أي شيء هو تأهيل “القياديين” فكريا ونفسيا وتنمويا ليكونون مؤهلين لإدارة المؤسسات بعيدا عن المحسوبية والترضية والحسابات السياسية واحتكار المناصب لفئة معينة، يتبع ذلك ضرورة إعادة النظر في تصنيف مؤسساتنا من حيث أغراضها وأنشطتها إلى مؤسسات خدمية عامية ومؤسسات اقتصادية.

يجب أن تضع الدولة استراتيجية لتحويل مؤسساتنا العامة الاقتصادية إلى مؤسسات تتسم بالتمول الذاتي وتحقق هامش من الربحية ولها الحق في إدارة أنشطتها ومواردها الاقتصادية وفق الأطر الربحية، على أن تتبع هذه المؤسسات النظم الإدارية والمالية والفنية التي تبتعد عن المركزية والنمطية كما هو معمول به الآن.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: