البصمة البيئية للدول الخليجية

على الرغم من شيوع معيار الناتج المحلي الإجمالي GDP لقياس الحالة العامة لاقتصاد دولة ما، وما يتصل به من مؤشرات أخرى كقياس البطالة والتضخم وحجم الانفاق العام للدولة، إلا أنه لا يمكن الاعتماد عليه لقياس الجوانب الحياتية والرفاهية والبيئية والاجتماعية في مجتمع ما، فالمعيار يسلط الضوء على الحالة الآنية الأنشطة الاقتصادية دون الاعتبار للقضايا المستقبلية واستدامة الموارد الطبيعية والحفاظ على البيئة، الأمر الذي دفع جملة من العلماء والباحثين لبناء وحدات قياسية تساعدهم على تشخيص هذه الجوانب ومنها ما يسمى بمؤشر البصمة البيئية Ecological Footprint والذي يعد نظاما اقتصاديا بيئيا يبحث في مسألتين أساسيتين هما الأثر البيئي في استهلاك البشري للموارد الطبيعية لإنتاج السلع والخدمات الضرورية للحياة، والقدرة البيولوجية biocapacity والذي يشير إلى قدرة الأرض في تجديد مواردها بعد الاستهلاك البشري، فكلما زاد معدل البصمة البيئية “الاستهلاك البشري للموارد الطبيعية” كلما قلت القدرة البيولوجية للطبيعة في تجديد مواردها مما يؤدي إلى استنزاف الموارد وتدهور صحة البيئة.

يعكس المؤشر ثقافة الشعوب في التعامل مع الموارد الطبيعية عبر أنماطهم الاستهلاكية، حيث أظهر التقرير Living Planets Report 2014 أن نسبة القدرة البيولوجية للشعوب في الدول الصناعية والنفطية أقل من نظرائهم في الدول الأقل نموا وتطورا كون النمط الاستهلاكي لهذه الدول يتمحور حول حد الكفاف أو أحيانا لحد الكفاية بينما في الدول الصناعية والنفطية تتجاوز حدود نسبة الاستهلاك المعدل الطبيعي، ولا يعني ذلك بأن الدول الأقل نموا الأفضل حالا من حيث الحفاظ على البيئة بل بالعكس فحينما ينظر لهذه الشعوب نجد بأنها تواجه تحديات مركبة تتمثل في زيادة الفقر والجهل وصعوبة التأقلم من التطور العالمي علاوة على الاستغلال الأسوأ لقدراتها البيولوجية مما يجعلها عرضة للاستغلال من قبل الغير. فمثلا يمثل تصنيف السودان وموريتانيا ضمن التقرير بأن قدرتهما البيولوجية تمنحهم أفضلية عالية لتغطية حاجاتهم أضعاف نظرائها الدول الأخرى، وهذا قد يفسر كأحد أسباب تقسيم السودان إلى دولتين للاستيلاء على الثروات والخيرات في الجزء الجنوبي من السودان لسد حاجات الدول الكبرى التي تعاني من ضعف القدرة البيولوجية، كذلك الأمر مع موريتانيا وما تعانيه الآن من اضطرابات ومشاكل سياسية وأمنية.

وقد أشار التقرير بأن معظم الدول العربية تعاني من عجز إيكولوجي نتيجة لارتفاع معدل الاعتماد على واردات السلع الأساسية أكثر من المعدل الطبيعي ، حيث سجلت المنطقة العربية ارتفاعا غير مسبوق في مستوى البصمة البيئية لأكثر من 500% خلال الفترة 1961- 2008 مقابل انخفاض قدراتها البيولوجية المتاحة للفرد، ويعزو هذا التدهور البيئي إلى زيادة معدل النمو السكاني وارتفاع نسبة الاستهلاك للموارد الطبيعية خاصة المياه والطاقة والأرض علاوة على الإهمال والتدهور والتدمير للبيئة، فالبصمة البيئية للدول العربية تفوق القدرة البيولوجية بنسبة 150% وهذا يعكس سوء السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية للدول العربية للتعامل مع مقدراتها وثرواتها الطبيعية، وبات تركيز تلك الدول في تجميل مؤشر زيادة الناتج الإجمالي على حساب المحافظة على بيئتها واستدامة الثروات الطبيعية لأجيالها القادمة، مما يستلزم تبني هياكل اقتصادية جديدة مثل الاقتصاد المعرفي حسب ما أشار إليه تقرير البنك الدولي في الرباط 2013 لمعالجة هذه الاختلالات.

ووفق المؤشر الذي يتكون من ستة مؤشرات فرعية تتمثل في المراعي، الأراضي الزراعية، مصائد الأسماك، الغابات، الأراضي العمرانية، والبصمة الكربونية، تحتل دولة الكويت المركز الأول عالميا من حيث البصمة البيئية بمعنى أنها الأسوأ عالميا في إدارتها لمواردها الطبيعية لإنتاج السلع والخدمات بينما تحتل المركز 137 عالميا من حيث القدرة البيولوجية من أصل 152، وهو مركز يعبر عن سوء وتدهور البيئة الكويتية وعدم قدرتها في معالجة وتجديد ثرواتها الطبيعية، وفيما يلي ترتيب الدول الخليجية عالميا وعربيا

الترتيب العالمي خلال 2010 الدول العربية الترتيب العربي خلال 2010
البصمة البيئية القدرة البيولوجية البصمة البيئية القدرة البيولوجية
1 137 الكويت 1 16
2 65 قطر 2 3
3 121 الإمارات 3 10
9 120 البحرين 4 9
21 56 عمان 5 2
33 130 السعودية 6 13
Source: Living Planets Report 2014

ملاحظة: هذا المقال بما فيه الجدول جزء من أحد مباحث الكتاب الذي بصدد إعداده بعنوان: دور الدولة المعاصر من منظور الاقتصاد المعرفي

ويتضح من الجدول بأن الدول الخليجية تواجه استنزافا بيئيا لتلبية الحاجيات الأساسية والاستهلاكية المتنامية خلال العقدين الماضيين مما يشكل خطرا حقيقيا على مستقبل اقتصادياتنا إن لم يتوفر البديل المناسب لها، ويتعاظم الخطر في ظل غياب هذا المؤشر ضمن الخطط الإنمائية لمعظم دولنا الخليجية مما يتطلب زيادة الوعي لدى متخذي القرار بأن من حق أجيالنا القادمة أن تتمتع بالثروات الطبيعية.

فالاقتصاد المعرفي يوفر للدول العربية أدوات وحلول لتطوير مواردها بأقل التكاليف المادية والبيئية مع ارتفاع العوائد المالية، فلم يعد مسألة التحول نحو الاقتصاد المعرفي مجرد خيار فكري أو نظري بل بات خيار استراتيجي وأمن اقتصادي قومي يحقق لنا جملة من العوائد والمنافع المادية والمعنوية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: