الاعتقاد.. عدونا الحميم

خلال المشاريع السابقة والجارية التي أشرف / أشرفت عليها تعلمت واكتشفت العديد من الجوانب السيكولوجية عندنا نحن، نحن البشر. تعلمت بأن هذه الجوانب تقف على مدماك الاعتقاد، الكل يعتقد بأنه على حق أو أنه تعرض الغبن البين أو للتمييز العنصري أو القبلي أو المذهبي، أو أنه يستحق هذه الترقية أو المسمى، فالكل يعتقد بكل شيء وبأي شيء دون دراية لأثر اعتقاده على بناء شخصيته وتحديد مصيره.

في مقابلاتي الشخصية مع فئة ” القياديين” اكتشف بأن غالبيتهم يعيش وهم الاعتقاد بأنه قيادي ومن ثم عليه أن يتصرف كقيادي ويصدر أوامر كقيادي ويتكلم كقيادي الذي يملك الرؤية ويجب الكل أن يسبح بحمد فكره ويقدس كلماته كونه قيادي “وفق معتقده”، طرحت عليهم العديد من الأسئلة منها “لماذا تعتقد بأنك قيادي” كانت الإجابات في معظمها تتمحور بالإيجاب بأنه قيادي كون صدر باسمه مرسوم فأصبح قيادي!!! كذلك طرحت سؤالا “لماذا تعتقد بأن الإجراءات المعمول بها في قطاعك هي اجراءات صحيحة؟” وما الدليل على صحتها؟ وما هو السند في ذلك؟ كانت الإجابة ببساطة هذا ما ورثناه من أسلافنا وكان دورنا هو “تحصين الإرث” ، ومسوغات التحصين بنظري كانت تحصين المركزية والرأي المنفرد.

سألت قيادي آخر يشرف على قطاع يتضمن التخطيط الاستراتيجي والبحث والتطوير في أهم قطاعات الدولة، لماذا تستعينون بمستشارين أجانب في مجال البحث والتطوير ووضع الاستراتيجيات على الرغم من وجود كفاءات وخبرات علاوة على تخصيص بند مالي ضخم لتغطية نفقات الموظفين؟ كانت إجابته “اعتقد” أن موظفي القطاع لا يملكون الكفاءة المهنية التي تأهلهم لتحقيق المأمول، فقلت له إذن لماذا تحتفظ بهم؟ قال وكيف أمارس اختصاصاتي كقيادي!!!، ونتيجة لاعتقاده بأن موظفيه لا يملكون الكفاءة أثر ذلك على إنتاجية الموظفين فترتبت عليه العديد من الممارسات السلبية في العمل.

العديد من الفرص الاستثمارية والتجارية فقدت في دولتنا نتيجة للاعتقاد السلبي لـ”قياديين” بأنها غير مجدية، فكم من مشروع تنموي يحقق مردود مالي ومعنوي ويوفر الفرص الوظيفية تم إلغاءه بسبب ذلك الاعتقاد . فكم اعتقاد سلبي أدى إلى هجرة العقول وتجمد الأفكار فبهتت النفوس وقتلت الأماني وشاع اليأس من الإصلاح، ولعل أسوا الاعتقادات هو ذلك الاعتقاد المدفوع بالحنق والكره فهو بلا شك اعتقاد مدمر لكل ما هو جميل في المجتمع والنفوس…

تلمست عمومية وجهل غالبية القياديين الذين قابلتهم، حاولت اكتشاف سر جمودهم الفكري، فاستنتجت بأن نسبة كبيرة منهم لا يملك الثقة بنفسه وفي علمه ولا يعلم كيف يسوق لذاته، يمتلك إجابة واحدة حينما يحتار في الرد على أي استفسار وهي “القانون”، بمعنى حينما أسأله لماذا هذه الدورة المستندية تحتوي على أربع خطوات وليس خمس أو ثلاث، يقول القانون وضعها هكذا بكل بساطة دون أن يفكر لماذا!!!

استغربت كثيرا بنسبة الجهل العلمي في القياديين والذي تجاوز حجم العينة سقف المائة في عدة قطاعات اقتصادية في الدولة، ثلة قليلة من هو على علم ومعرفة وإطلاع، وكثرة غالبة لم تقرأ أو قامت بعمل دراسات أو أبحاث أو تقارير سواء في مجاله أو في أي مجال، أو حتى تقديم مبادرة تطويرية، وسؤالي المبني على هذا الجهل، إذن أن كنت لا تقرأ ولا تكتب ولا تطلع، ما هو مدخلك لتطوير قطاعك؟؟ الإجابة بعمومية هشة وبثقة عمياء… الاعتماد على المستشارين الأجانب!!! سألت آخرين عن السبب في عدم تأليف الكتب أو حتى إعداد ورقة علمية… تعللوا بعدم وجود الوقت ثم الرغبة ثم لمن نكتب وأخيرا من يقدر ما نكتبه أن كتبنا!!

أمر آخر تبين لي أثناء التوغل في القطاعات، بأن هناك قدسية لللجان الكل في لجان، ذكر لي أحد القياديين بأنه عضو في أكثر من 13 لجنة، فلما سألته عن السبب، قال لي الجميع بحاجة لي!!! حيث تبين لي أن أهمية القيادي وفق دستورهم يتحدد بعدد اللجان التي يدخلها… ثم تأتي بالمرتبة الثانية عدد المهام الرسمية والعلمية التي ينفذها القيادي خلال السنة… حيث اطلعت على ميزانية إحدى الهيئات الحكومية فوجدت أن لديها ربط بالميزانية ما يزيد عن المليون دينار لتغطية نفقات الدراسات والأبحاث والمؤتمرات العلمية والمهام الرسمية!!! المضحك بالأمر بأن لا يوجد ولا قيادي في هذه الهيئة قام بكتابة جملة علمية أو فقرة استشارية… فمعظمهم يقبل بتلك المهام لاعتقاده بأنه يجب أن يحافظ على هيبته كقيادي أمام الآخرين كونه يحضر اجتماعات تحمل الصبغة العلمية والمهنية…

اعترف لي قيادي كبير جدا ضمن المشروع الذي أشرف عليه حاليا بأنه ومنذ توليه منصبه لديه رؤية تتمحور حول إعادة هيكلة الجهة التي يترأسها بتقليص أعداد الموظفين ودمج الإدارات، إلا أنه غير راض عن النتائج كون الأغلبية متمسك بمكانه ولا يرغب بالخروج من الرفاهية والبرستيج الاجتماعي للوظيفة، فكان خياره الأخير هو العمل على إحباط الموظفين بكافة الصور.. قالها لي وهو يعتقد بأنه على صواب وليس أمامه أي خيار آخر. واعتقد بأنه نجح إلى حد ما.

هناك الكثير من الصور والأحداث والمواقف التي عشتها تنم عن تطور خطير جدا في شخصية الموظف الكويتي نتيجة لتأثره باعتقاد القياديين السلبيين، أدناها الإحباط وأعلاها ضعف الولاء والانتماء للجهة التي يعمل بها.. الكل يشتكي من الكل، والكل يبحث عن حل، والغالبية يعتقد بأنه على صواب..

إذن… كنت أبحث في مشروعي الحالي عن نتائج أثر الاقتصاد المعرفي على تطوير قطاعاتها الاقتصادية، فخرجت بجملة من الاعتقادات… بأن هناك حجم كبير جدا من الموظفين يعتقدون بأنهم محبطين، محاربين، مهمشين، فاشلين لا قيمة لهم…. الأمر الذي أثر “من وجهة نظرهم” في مستوى إنتاجيتهم ومبادراتهم وهممهم… لذلك يحرصون كل الحرص أن يحصنون هذا الاعتقاد الذي يرونه بأنه صديقهم الحميم الذي يبرر عجزهم وتقصيرهم.. وهذا الاعتقاد فسر لي السبب المحوري لندرة الإنتاج المعرفي في مؤسساتنا العامة خاصة الاقتصادية ولماذا لا يتشارك الموظفين في خبراتهم ومعرفتهم.. بسبب انعدام الثقة والدافع والرغبة.

فالاعتقاد من وجهة نظري يمثل مبلغ الإنسان من العلم.. وهذا العلم إما أن يكون علما نافعا أو ضارا.. ومن ثم فالاعتقاد السلبي هو أخطر عدو حميم خفي عرفه الإنسان.. يصنعه بداخله ويكبر دون أي يدرك مخاطر هذا العدو.. ومتى ما تملك هذا الاعتقاد عقلك حينها ستكون حتما خادما مطيعا له…

لذا راقب أفكارك لتأمن شر اعتقادك.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: